بن عيسى باطاهر
6
المقابلة في القرآن الكريم
الحقائق ، وبسط الأدلة ، لمخاطبة النفوس البشرية على اختلاف مشاربها ، وتنوّع طبائعها . فكان الاختيار موجها إلى أسلوب « المقابلة » أو « التقابل » المعروف عند الدارسين القدماء والمحدثين بهذا المصطلح وبغيره من المصطلحات ، لكنّي فضلت مصطلح « المقابلة » عن غيره من المصطلحات لدلالته التامّة على فكرة التضاد ، ولكونه من المصطلحات القديمة المنسجمة مع المفاهيم النقدية الحديثة ، وقد قصدت « بالمقابلة » طريقة التعبير التي تقوم على مبدأ إقامة تضاد بين الألفاظ والمعاني والأفكار والصور تحقيقا لغايات بلاغية ، وقيم فكرية ، وقد كانت الغاية من البحث في هذا الأسلوب القرآني عرض مفهومه القديم في قالب جديد ، وإبراز خصائصه وأهدافه وقيمه وغاياته الفكرية والمعنوية . وسبب اختياري لهذا الموضوع مبني على دافعين : أولا : إن أسلوب « المقابلة » هو من الأساليب التي استوقفتني كثيرا خلال تعاملي مع القرآن الكريم قراءة وتدبرا ، فأثناء إعدادي لرسالة الماجستير حول أساليب الإقناع في القرآن الكريم ، لفت هذا الأسلوب انتباهي كثيرا لكونه من الأساليب البارزة في المنهج القرآني ، التي لا يأتي الاعتماد عليها عرضا وعن قلّة أو ندرة بل إنه من الأساليب التي يجيء الاعتماد عليها عن قصد وفي مواضع كثيرة من القرآن ، وقد بدا واضحا لي أن هذا الأسلوب القرآني البارز لا بدّ أن يدرس دراسة علمية تبيّن خصائصه وأهدافه . ثانيا : إن الدافع الثاني يتعلق بالدراسات التي كتبت حول هذا الموضوع ، فبعد البحث تراءى لي أنّ هذا الموضوع لم يدرس دراسة علمية متخصصة ، وبخاصة في القرآن الكريم ، وأغلب الدراسات التي لها علاقة بالموضوع تمسّ الموضوع مسّا ومن زوايا ضيّقة ، ولا تعطيه حقّه من الدراسة والتحليل ، فالدراسات القديمة تناولت « المقابلة » ضمن علم البديع ، ونظرت إليها باعتبارها محسّنا بديعيا يساهم في تحسين المعنى وتنميقه فحسب ، أما الدراسات الحديثة